ملحمة القدس الشريف
القصيدة العمادية
يُعدّ الكتاب الذي بين أيدينا عملاً تاريخياً وثوثيقياً قيّماً يجمع بين السيرة العطرة والجهادية للقائد الإسلامي البارز عماد الدين زنكي وبين الإبداع الشعري، حيث يقع الكتاب في شقين رئيسيين يضمان ترجمة موجزة ومفصلة لحياة الشهيد إضافة إلى قصيدة دالية طويلة على بحر الوافر تتألف من ١٢٢٩ بيتاً نظمها أستاذ الدراسات القرآنية البيانية الدكتور حسن محمد باجودة. يُستهل الكتاب بمقدمة وافية وتهميد تحليلي يعرض بأسلوب علمي وتاريخي لفريضة الجهاد في الإسلام وحكمتها، مستعرضاً السيرة النبوية العطرة وغزوات الرسول صلى الله عليه وسلم، وكيف تمكن المسلمون الأوائل بفضل التوحيد والجهاد من توحيد شبه جزيرة العرب ونشر الإسلام. وينتقل المؤلف بعد ذلك ليوضح التحولات الكبرى التي مرت بها الأمة الإسلامية، بدءاً من تخلّي العرب الأوائل وخاصة قريش عن دور القيادة والجهاد وحلول المرتزقة والعناصر غير العربية محلهم، مروراً بضعف الخلافة العباسية حتى كاد دور الخليفة يقتصر على الرمزية الدينية والاعتراف بالولاة، وصولاً إلى ظهور التهديد الصليبي وتأسيس الممالك الصليبية الثلاث في الرها وأنطاكية وبيت المقدس. كما يسلط الضوء على دور الدعاة في نشر الإسلام واعتناق الأتراك السلاجقة للإسلام، والانتصارات المجيدة التي حققوها مثل معركة ملاذ كرد بقيادة ألب أرسلان، ودور القائد التركي كمشتكين بن دانشمند في قهر الحملات الصليبية الأولى، ليُمهد الطريق بذلك لذكر ملوك الإسلام الثلاثة العظماء الذين رفعوا راية الجهاد وهم: عماد الدين زنكي، وابنه نور الدين محمود، وصلاح الدين الأيوبي. ويخصص الكتاب مساحة واسعة لترجمة مفصلة لعماد الدين زنكي (٤٧٨ - ٥٤١ هـ)، مستعرضاً أصله، ونشأته، وتوليه إقطاع واسط ثم ولاية العراق والموصل وحلب وحماة، وسياسته الحكيمة القائمة على توحيد الجبهة الداخلية الإسلامية وجمع كلمتها من خلال توظيف المحبة والوداد واستخدام التعويضات السخية والبدائل العسكرية والمادية للحكام والولاة بدلاً من استئصالهم، إلى جانب إدارته الحكيمة للجبهة الخارجية ضد الصليبيين واستعادة حصن الأثارب وقلعة بعرين واللاذقية. ويستعرض المؤلف تفاصيل جيش عماد الدين زنكي وأركانه الخمسة (القلب، والميمنة، والميسرة، والمقدمة، والمؤخرة)، مبرزاً دور الجيش السلطاني وأمراء الإقطاع والمتطوعة والمقاومة الشعبية، فضلاً عن إيراده لأهم الوسائل والخطط الاستراتيجية التي وظفها عماد الدين في حروبه كاستخدام العيون والكشافة، والحمام الزاجل، والدخان والنار، والحرب النفسية، واختيار الزمان والمكان المناسبين. وتُختتم سيرة العماد بعرض مفصل لقصة فتح إمارة الرها الصليبية سنة ٥٣٩ هـ وما مثّلته من نصر عظيم أثلج صدور المسلمين وكان سبباً في قيام الحملة الصليبية الثانية، لينتهي المطاف باستشهاد عماد الدين زنكي غيلةً على أيدي بعض غلمانه وهو محاصر قلعة جَعْبَر على نهر الفرات في ربيع الآخر سنة ٥٤١ هـ، ليرحل بعد أن ترك إرثاً جهادياً عظيماً، ويختتم الكتاب بنشر أبيات "القصيدة العمادية" كاملةً بمططلعها الشهير "عماد الدين قد رفع العمادا... لدين الله إذ أحيا الجهادا" لتخليد سيرته العطرة ومناقبه الجهادية.